من بلدي
محاولة للتأثير و ربما التغيير
رحيل إمرأة بحجم الحياة

رحيل إمرأة بحجم الحياة

 

حسن بلال التل

 

*ملاحظة: كتب هذا المقال قبل نحو شهرين ولم ينشر بناء على نصيحة سيئة من صديق جيد

 

مرة أخرى في جوف الليل أو بين شقائق الفجر الأولى تمتد يد القدر بصمت وفي جوف العتمة لتخطف إنساناً آخر أحببته ومضى علي زمن لم أره، ربما كما قال أحد الأصدقاء ان في ذلك رحمة، لأن الله أختار أن أذكر من أحب أقوياء سعداء لا أن أراهم مرهقين أو ضعفاء، لكنني أرى في ذلك عقاباً لي على تقصيري في حق الكثير من أولئك البشر، كما أرى فيه أن الله يختار أصفياءه وأحباءه إلى جانبه في سكون الليل أو في بواكير الصباح بينما لا تزال السكينة والهدوء يخيمان على هذا العالم، هدوءٌ يتناسب وجلال الموت وسكينة تقارب هدوء وملائكية تلك الأرواح التي اصطفاها ربها إلى جانبه تاركاً بقيتنا نتصارع على وجه هذه الفانية.

        في الليلة السابقة لكتابة هذا المقال علمت أن احدى هذه الأرواح الرقيقة تصارع لأجل حياتها، لقد اتصل بي صديق ليخبرني أن الخالة أم سعيد قد غلبها المرض، ومن بين حشرجات صوته أحسست أنني قد لا أراها ثانية، فبكيت، وفي صبيحة هذا اليوم وكما عودني القدر جاء الهاتف المشؤوم: " اللي حسبناه صار.. أم السعيد توفيت"، وبعد ساعات وحتى لحظة كتابة هذه الكلمات ما زلت عاجزاً عن البكاء، وما زلت عاجزاً عن الذهاب إلى المستشفى أو حتى الاتصال بأي من أبنائها وهم أعز أصدقائي، أو أي أفراد أسرتها وهم بمثابة أسرتي، كم أمقت هذه الحالة من الشلل التي تضربني كلما فقدت عزيزاً، انها تشعرني أنني أقرب إلى صنم مما أنا إلى إنسان.

        " خالتو أم السعيد" .. هكذا اعتدت أن أنادي هذه السيدة التي لم تكن مثل أي إنسان آخر، يستحيل أن أذكر من بين آلاف من الصور لها في مخيلتي صورة واحدة لم تكن فيها تبتسم، حتى عندما كانت تصارع مقود سيارتها الرينو والتي اعتدنا أن نسميها تحبباً " الكاديلاك"، لقد كانت أم السعيد ابتسامة في زي إنسان، وكانت ابتسامتها كافية لإضاءة عالم بأسره فما بالك بيوم طفل صغير قادم من عمان ( مجبراً أحياناً ً) ليقضي بضع ساعات وأحياناً أشهر في إربد، إربد التي بقدر ما أحبها وأتنفسها شعرت اليوم أنها فقدت جزءاً من صورتها، فرغم أن خالتو أم السعيد وأسرتها قد رحلوا عنها منذ سنوات إلا أن الذاكرة والخيال وبيتهم الذي ما زال متربعاً هناك يبقى مذكّراً ومشعراً لي بوجودها، ذلك البيت الذي طالما احتضن طفولتنا، وأهله الذين طالما اشعرونا أننا جزء منهم، وكانت خالتو أم السعيد ( من حيث لم تشعر ربما) شيئاً جميلاً وملاكاً حانياً في حياة طفل مرهق.

        خالتو أم السعيد كانت نمطاً مختلفاً من البشر، فهناك من البشر من تراه صديقاً، وهناك من تراه رفيقاً، وهناك من تضعه في مرتبة الأخ أو الأخت، وقلة من النساء يصلن إلى منزلة الأم، أما أم السعيد  فكانت من القلة القليلة من النساء اللواتي كن بحجم الحياة وبحجم العالم، فهي ابتسامة مشرقة دافئةٌ دائمةٌ، وهي ملاك حانٍ، وناصحٌ رقيق رفيق، وكان بيتها دوماً مفتوحاً أمام شقاوتنا، ومطبخها مرحباً بتجاربنا، وحتى" برندة البيت" التي تحولت إلى حديقة لم تنج من شرورنا، ومع ذلك لم أر أم السعيد يوماً عابسة ولم أسمعها يوم تصرخ أو تتذمر، لقد كانت دوماً تلك الأم التي نعلم أنها لن تغضب وإن غضبت منا أمهاتنا، وكان بيتها ذلك البيت الذي يستقبلنا حين ضاقت بنا بيوت أهلنا وعائلاتنا.

        أما ما يكاد " يفجّر" رأسي فهو إن كان هذا حالي وأنا الذي مهما عددت نفسي قريباً منها ومن أسرتها أبقى بعيداً، فما حال أولئك الذين عاشوا معها يوماً بيوم وساعة بساعة، ما حال سعيد الذي -في آخر مرة سمعت صوتها فيها عبر الهاتف - كانت تتمنى أن تراه متزوجاً وأبا مستقراً، ما حال رمزي أصغر أبنائها والذي لأجله كسرت كل قواعدها ومحاذيرها، ما حال بناتها اللواتي كانت لهن وطناً قبل أن تكون أماً، والأهم ما حال عمي أبو السعيد رفيق دربها الذي اتعبه مرضها أكثر مما اتعبها؟؟؟  والله أني أخاف حتى من التفكير في هذا الأمر.

        خالتو أم السعيد، وخالي جاسر، وعمي عصام، وصديقي الشهيد سعيد... وغيرهم كثير كلهم أناس لامسوا حياتي وغيروها وتركوا بصمات وذكريات، وها أنا ذا أكتب عنهم, أنعاهم, وفي رأسي سؤال واحد يكاد يقتلني، لم أختار القدر هؤلاء وتركني على هذه البسيطة ؟ هل صحيح ما يقوله الناس من أن الله يختار إليه الصالحين قبل غيرهم، ويتركنا هنا لنزداد ذنوباً ونزداد عذاباً ؟؟ .... خالتو أم السعيد ..... وداعاً....



أضف تعليقا

اضيف في 07 مايو, 2009 01:06 ص , من قبل bentabuzaid said:

السلام عليكم
رحمها الله وأسكنها فسيح جناته ...

اضيف في 28 يوليو, 2009 02:20 م , من قبل hsntall
من الأردن said:

زائر مدونتي العزيز:

(من بلدي) هي محاولة للتأثير وربما التغيير في واقعنا المعاش على مختلف الصعد... أشكر لك زيارتك الكريمة حتى لو كانت محض صدفة أو ساقتك اليها كلمة بحث خاطئة... أرجوك أن تقرأ..أو تتصفح..ثم تحكم وتعلق, حتى لو كان تعليقك سلبيا.. فبغير النقد لا نتمكن من تصحيح أخطائنا... تماما مثلما بغير التشجيع لا نمتلك الجلد لللاستمرار....

حسن التل



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية